الحق في المعرفة يوازي الحق في الحياة

الحق في المعرفة يوازي الحق في الحياة

أطلق صاحب السمو محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حملة من نوع خاص في بدايات شهر رمضان هذه السنة ، وهي حملة “أمة تقرأ”، التي تهدف إلى توفير 5 ملايين كتاب وتوزيعها على الأطفال في مخيمات اللاجئين والمدارس في العالم العربي والإسلامي.

عن أهمية وفرادة هذه الحملة يقول سعادة طارق القرق، الرئيس التنفيذي لدبي العطاء، أحد شركاء الحملة: “عندما تصبح الحروب الإقليمية والصراعات الداخلية هي السمة السائدة لمرحلة تاريخية ما، فسنجد أنفسنا أمام نتائج كارثية على الوقع الإنساني بقيمه واخلاقياته. هذه هي الأن سمة المرحلة، التي أنتجت ملايين الأسر المشردة، وملايين مقابلة من الأطفال والشباب الذي لا يستطيعون الحصول على الحدود الدنيا من حقوقهم الأساسية وفي مقدمتها حقهم في التعليم والحصول على المعرفة ليتمكنوا من ممارسة حياتهم الطبيعية أسوةً بباقي البشر. مما لا شك فيه أن الحق في المعرفة والتعليم اليوم، بات يوازي الحق في الحياة. ونحن ملزمون إنسانياً بحماية هذا الحق”.

1IMG_4123 1

أما محمد عبدالله الزرعوني مدير هيئة الهلال الأحمر الاماراتي فرع دبي، فيقول عن حملة “أمة تقرأ”: ” إن الجهود الدولية الموجهة لمساعدة اللاجئين والفقراء، لا زالت في إطار توفير الحدود الدنيا من شروط الحياة، وهي مكان للعيش قد لا يتجاوز خيمة في أغلب الأحيان، والمواد الغذائية والطبية الأساسية، بالإضافة إلى التعريف بالقوانين المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب، “حملة أمة تقرأ” جاءت لتقول أن هناك المزيد مما نستطيع تقديمه، وهو توفير المعرفة للأطفال اللاجئين والفقراء، ومد يد العون لهم لتمكينهم من دخول المستقبل من بوابته الطبيعية. وهذه نقلة نوعية في شكل وقيمة واجبنا الإنساني تجاههم”. نحن في الهلال الأحمر الإماراتي نشعر بفخر كبير كوننا جزء من هذه الحملة وأحد أدوات تنفيذها، لذا وضعنا كافة إمكانيات وموارد هيئة الهلال الأحمر ومكاتبها الخارجية لإنجاحها وتنفيذها بأسرع وقت. بحكم قربنا من اللاجئين لمسنا مقدار حاجة الأطفال والشباب للمعرفة والقراءة، فهيئة الهلال الأحمر تعتبر من المنظمات الإنسانية الأكثر تواجدا في شمال العراق ومخيمات اللاجئين في الأردن، لذا بدأنا بعملية توزيع مليون كتاب على اللاجئين في إقليم كردستان العراق، كما يشرف فريق الإغاثة الإماراتي على توزيع مليون كتاب أخر على اللاجئين السورين في الأردن خلال الأيام القادمة”.

صدمة الأرقام:

تفيد البيانات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة، أن عدد اللاجئين والنازحين قسراً من بلدانهم حول العالم تجاوز الـ 60 مليون شخص، أكثر من نصف هذا العدد هم أطفال، أي قرابة 30 مليون طفل، وذلك حسب التقرير السنوي الصادر عن المفوضية السامية للأم المتحدة لشؤون اللاجئين في حزيران 2015. وهذا العدد يشمل ظاهرة النزوح الداخلي، أي الذين أجبروا على ترك مناطق سكناهم رغماً عنهم أو الذين غادروا بلدانهم بالمطلق.

1IMG_4126 1

وإذا أضفنا لهذا العدد ما ورد في تقرير للبنك الدولي صدر عام 2013 بأن أكثر من 400 مليون طفل في العالم يعانون من الفقر والحرمان من أبسط الحقوق الأساسية مثل العلاج والتعليم، فسنجد أنفسنا أمام حقيقة مخيفة تتمثل بمئات ملايين الأطفال خارج مخططات التنمية، وخارج إطار العملية التعليمية وهو الأمر الذي يهدد مستقبل البشرية وتعطيل طاقاتها الإنتاجية كما يهدد نسيجها الاجتماعي نتيجة للمستقبل المظلم الذي ينتظر هذا الكم الهائل من جيل كان من المفترض أن يكون مشاريع لعلماء واطباء ومهندسين وتقنيين .. الخ.

أما في العالم العربي على وجه الخصوص، يقول الزرعوني: ” في العراق وحده، حسب بيانات الأمم المتحدة، هنالك 5,6 مليون شخص يحتاجون للمساعدة، أكثر من نصفهم أطفال وشباب في مقتبل العمر، وفي سوريا 2,1 مليون طفل لا يتلقون تعليمهم، هذا بالإضافة إلى أعداد لا تقل عن هذه من الأطفال المحرومين من التعليم والمعرفة في العالم العربي، فأي مستقبل قد نتوقعه إذا لم نفعل كل ما باستطاعتنا لإيصال وسائل العلم والمعرفة لهذا الجيل، لذا نحن ننظر لمبادرة ” أمة تقرأ” أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، ستشكل نموذجاً عالمياً لما يجب أن تكون عليه الجهود الإنسانية المبذولة في إطار إنقاذ جيل بأكمله من الأمية وما يترتب عليها من أثار اجتماعية واقتصادية سلبية”.

لقد كشفت وثيقة توجيهية للأمم المتحدة عن بيانات جديدة تؤكد انخفاض التحاق الأطفال والمراهقين اللاجئين والفقراء بالمدارس. وبحسب الوثيقة التي جاء عنوانها بمثابة صرخة مدوية لتنبيه العالم للكارثة المحتملة” لا مجال بعد اليوم للأعذار” واشترك في إصدارها كل من اليونسكو والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين قُبيل انعقاد مؤتمر القمة العالمية للعمل الإنساني في إسطنبول 2016، أن هناك 50 بالمائة فقط من الأطفال اللاجئين يواصلون تعليمهم الابتدائي فيما يواصل 25 بالمائة فقط من المراهقين اللاجئين تعليمهم الثانوي.

1IMG_4128 1

إذا أدخلنا لقاعدة حساباتنا جودة التعليم الذي يتلقاه ربع اللاجئين والفقراء في العالم، ستنخفض تدريجياً معدلات التفاؤل بأن يكون لهؤلاء دور مستقبلي فاعل في بناء بلدانهم أو في الحصول على وظيفة تلبي احتياجاتهم اليومية بالحد الأدنى.

نتائج مباشرة وغير مباشرة:

إن النتائج المباشرة لهذا العدد الهائل من اللاجئين والفقراء الأطفال حول العالم، قد تكون أخف بكثير من تلك غير المباشرة في تأثيراتها السلبية على واقع الأمم كافةً، فلا يمكن اليوم الفصل ما بين فقر دولة أو فئة معينة، وما ينتج عن هذا الفقر من جيل معطل وجاهل، عن تداعيات هذا الفقر على باقي دول العالم حتى تلك الأكثر غنىً وتقدماً، فإلى جانب المسؤولية الإنسانية التي تثقل كاهل العالم، تبرز مؤشرات خطيرة على مستقبل التنمية البشرية والاقتصادية في دول العالم الثالث.

النتائج المباشرة:

  1. العالم اليوم يعيش عصر تقود المعرفة والعلم مسيرة تقدمه، مما يعني أن وجود هذا العدد من الفقراء الأطفال حول العالم، يعني عدم تمكنهم من الحصول على الحدود الدنيا من المعرفة والعلوم التي تجعلهم قادرين على الانخراط في معترك الحياة، مما يجعل منهم كأنهم عالم موازي لا ينتمي لهذا العالم بشروطه وصفاته.
  2. لا شك أن هذا الرقم الهائل للأطفال اللاجئين والفقراء حول العالم، هو في المحصلة مؤشر لعدد أكبر بكثير من البشر الذين يقبعون خارج إطار التنمية وخارج إطار المساهمة في استنهاض أممهم، أي أنهم عاجزون عن أداء دورهم الاقتصادي الطبيعي سواء من حيث الانتاج ورفع قيمة الانتاج، أو من خلال الاستهلاك لعجزهم عن توفير متطلبات حياتهم اليومية بمالهم الذي يجب أن يكتسبوه مقابل جهودهم.

1IMG_4125 1

ولا يمكن القبول بحل هذه المشكلة من خلال التشغيل التقليدي للأطفال أو الشباب في سن المراهقة، لأن العمل بدون تمكين معرفي لا يعدو كونه جهد جسدي لا يمكن له أن يضيف قيمة على العملية الاقتصادية، لذا يحسب وفق معايير الأمم المتحده على أنه استغلال للطفولة.

  1. إن بقاء حالة اللاتوازن في العالم بسبب تفاقم مشكلة الأمية، سيعزز حالة الإضطراب وعدم الاستقرار الاجتماعي مما يترك الاحتمالات المستقبلية مفتوحة على الأسوء.

أما النتائج الغير مباشرة فيمكن اختصارها بما يلي:

إن حالة اللانتماء التي يعيشها أطفال العالم من لاجئين ومحتاجين، مصحوبة بمشاعر القهر والإحساس بالإهمال، ستؤدي في النهاية إلى خلق ثقافة متطرفة ومعادية للمحيط الاجتماعي. لذا فإن توفير الكتب ومصادر المعرفة الإنسانية لهؤلاء الأطفال سيمنحهم الشعور بأنهم ليسوا وحدهم، وان هناك من يهتم بهم ويسعى لمساعدتهم، مما يؤسس لثقافة إنسانية قادرة على تحدي النتائج السلبية التي تفرزها حياتهم الشاقة.

وعن الحلول التي يمكن أن تساهم في صياغة الشخصية الإيجابية للأطفال اللاجئين والمحتاجين يقول سعادة طارق القرق: ” صحيح أن حملة أمة تقرأ، لن تكون كافية وحدها لتغيير واقع الأطفال الفقراء والمحتاجين في العالم، لكنها تعتبر خطوة على الطريق الصحيح، خطوة نوعية تسهم في تغذية العقل والروح بالقيم الاجتماعية والإنسانية التي قد يفقدها هذا الطفل نتيجة ظروفه القاسية، فالمعرفة وطن معنوي للفرد، من خلال القراءة يتعرف الطفل على العالم، ويتعلم كيف يواجه بإيجابية، تحميه من الوقوع في فخ الجريمة والتطرف، ويمكن تطوير هذا التوجه من خلال عدة خطوات:

  1. تكثيف حملات التعليم والتثقيف للاجئين والمحتاجين في أماكن تواجدهم ومساعدتهم على الانسجام مع محيطهم، وهذا يمكن من الانتقال نحو خطوة أخرى وهي توفير كوادر بشرية متطوعة لتقوم بهذه المهمة، لأن الاتصال الإنساني يقطف ثمار ما قرأه الأطفال في الكتب التي قدمتها الحملة، ويترجم المفاهيم البناءة على أرض الواقع.
  2. المساهمة في بناء مدارس ومراكز تأهيل وتدريب مهني في تجمعات اللاجئين والأماكن الأكثر فقراً. ومن الإنصاف القول هنا، أن الإمارات العربية المتحدة كانت سباقة لترجمة هذه الخطوات والمطلوب اليوم المزيد من الجهد الدولي في هذا الاتجاه.
  3. من الأهمية هنا أن نفعل دور القوى الاجتماعية من افراد ومؤسسات للتبرع والتطوع لمثل هذه الحملات، فالبعد الاجتماعي لحملة أمة تقرأ والذي تجسد بمشاركة المجتمع الإماراتي يساهم إلى حد كبير في بناء الشخصية الاجتماعية الإيجابية لهؤلاء الأطفال.

Related posts