بقلم: الدكتور عبد الرحيم إبراهيم عبد الواحد
أستانا – جددت كازاخستان تأكيد طموحها في أن تصبح مركزًا إقليميًا رائدًا في مجالي الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي. مع افتتاح رئيس الجمهورية قاسم جومارت توكاييف رسميًا أعمال الدورة الثالثة للأولمبياد الدولي للذكاء الاصطناعي (IOAI 2026). الذي استقطب إلى العاصمة أستانا نخبة من ألمع المواهب الشابة في مجال التكنولوجيا من مختلف أنحاء العالم.
ويُقام الأولمبياد خلال الفترة من 2 إلى 8 أغسطس في أستانا. بمشاركة أكثر من 500 طالب وطالبة من 106 دول. يتنافسون في تحديات متقدمة تشمل تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وبرمجة الروبوتات ذاتية التشغيل. ويُعد الحدث أحد أبرز المسابقات الدولية المخصصة لطلبة المدارس في مجال الذكاء الاصطناعي. كما يمثل منصة لتعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات والابتكارات التقنية.
الذكاء الاصطناعي قوة محورية
وفي كلمته خلال حفل الافتتاح. أكد الرئيس توكاييف أن كازاخستان اتخذت خيارًا استراتيجيًا واضحًا لتسريع مسيرة التحول الرقمي. مشيرًا إلى أن التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي. وتعلم الآلة. وتحليل البيانات الضخمة. تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي والإدارة الحكومية والتعليم والبحث العلمي.
وأشار إلى التقدم الذي أحرزته بلاده في مجال الحكومة الرقمية. موضحًا أن كازاخستان تحتل حاليًا المرتبة الرابعة والعشرين من بين 193 دولة في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية (EGDI). كما تحافظ على موقعها الريادي في آسيا الوسطى من حيث الجاهزية لتبني التقنيات الحديثة والناشئة.
وأوضح الرئيس أن كازاخستان تعمل على بناء منظومة وطنية متكاملة للابتكار. يكون الذكاء الاصطناعي فيها أداة رئيسية لتطوير الإدارة الحكومية. وتعزيز النمو الاقتصادي. ودعم التحول الرقمي لقطاع الأعمال في مختلف المجالات.
دولة رقمية متكاملة خلال ثلاث سنوات
كما ذكّر توكاييف بأنه وجّه. في خطاب حالة الأمة العام الماضي. الحكومة إلى تحويل كازاخستان إلى دولة رقمية متكاملة خلال ثلاث سنوات. مؤكدًا أن إعلان عام 2026 عامًا للرقمنة والذكاء الاصطناعي يعكس التزام الدولة بتحقيق هذا الهدف. وأضاف أن التوجه نحو التنمية القائمة على الابتكار أصبح جزءًا من المسار الدستوري للبلاد. بعد دخول الدستور الجديد حيز التنفيذ في الأول من يوليو.
وشدد الرئيس على أن التقدم التكنولوجي لا يمكن أن يتحقق دون الاستثمار المستدام في التعليم وتنمية الكفاءات. مؤكدًا أن الشباب يمثلون القوة المحركة لمستقبل كازاخستان الرقمي.
وأشار إلى النجاحات التي حققها الطلبة الكازاخستانيون على الساحة الدولية. حيث أحرز المنتخب الوطني في أولمبياد الذكاء الاصطناعي الذي أقيم في بكين العام الماضي ثلاث ميداليات ذهبية. وميدالية فضية. وثلاث ميداليات برونزية. معتبرًا أن هذا الإنجاز يعكس الإمكانات الفكرية والإبداعية الكبيرة التي يتمتع بها شباب البلاد. ويجسد كذلك الجهود المتميزة التي يبذلها المعلمون والمشرفون في إعدادهم.
وقال الرئيس مخاطبًا المشاركين: “لقد كان العلم على الدوام عاملًا يجمع بين الشعوب ويدفع الإنسانية نحو آفاق جديدة من التقدم. وقد تصبح الأفكار التي تطورونها اليوم أساسًا لابتكارات نوعية في مجالات الطب والتعليم وحماية البيئة وغيرها من القطاعات الحيوية التي ستسهم في رسم ملامح المستقبل.”
وعقب مراسم الافتتاح. قام الرئيس توكاييف بجولة في موقع الأولمبياد. حيث اطلع على آلية تنظيم المنافسات وطبيعة التحديات التقنية ونظام التحكيم. كما شاهد عرضًا لروبوت ذاتي التشغيل جرى تطويره ضمن الفعاليات المصاحبة للحدث.
ويرى مسؤولون أن الأولمبياد لن تقتصر آثاره على المنافسات التي تستمر أسبوعًا واحدًا. بل سيشكل منصة لتعزيز التعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي. وتشجيع الابتكار بين الباحثين الشباب. وإلهام جيل جديد من رواد الأعمال والمبتكرين في قطاع التكنولوجيا.
ومن خلال استضافة واحدة من أبرز المسابقات العالمية في الذكاء الاصطناعي لطلبة المدارس. تواصل كازاخستان ترسيخ مكانتها كمركز ناشئ للابتكار الرقمي. في إطار رؤيتها طويلة المدى لبناء اقتصاد قائم على المعرفة. يرتكز على التكنولوجيا والتعليم والتعاون الدولي.
نحو بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي
لا تقتصر رؤية كازاخستان للذكاء الاصطناعي على استضافة الفعاليات والمسابقات الدولية. بل تمتد إلى تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى بناء منظومة وطنية متكاملة تبدأ من التعليم المدرسي. مرورًا بالجامعات ومراكز البحث العلمي. وصولًا إلى ريادة الأعمال وتطوير التطبيقات التجارية القائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتعكس نتائج المشاركات الدولية حجم التقدم الذي تحققه البلاد في هذا المجال. فقد أحرز المنتخب الكازاخستاني في أولمبياد الذكاء الاصطناعي الذي استضافته بكين العام الماضي ثلاث ميداليات ذهبية. وميدالية فضية. وثلاث ميداليات برونزية. وهو إنجاز اعتبره الرئيس قاسم جومارت توكاييف دليلًا على تنامي القدرات العلمية والإبداعية لدى الشباب الكازاخستاني.
وفي هذا السياق. يؤكد المختصون أن التميز في الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على إتقان البرمجة وحدها. بل يتطلب قاعدة علمية راسخة في مختلف التخصصات. فقد شدد رئيس اتحاد البرمجة التنافسية في كازاخستان. باغدات موسين. على أن علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي أصبحت من المهارات الأساسية لمهن المستقبل. إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية العلوم الأساسية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء. التي تشكل الأساس لتطوير حلول تقنية مبتكرة تخدم مختلف القطاعات.
وانعكست هذه الرؤية على السياسات الحكومية. حيث أدرجت كازاخستان الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الجامعية. وأطلقت برنامجًا وطنيًا طموحًا يهدف إلى تأهيل مليون شخص بمهارات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة. مستهدفًا الطلبة وموظفي القطاع الحكومي ورواد الأعمال والعاملين في مختلف القطاعات الاقتصادية.
استثمارات تدعم الطموحات الرقمية
ولا يقتصر التحول الرقمي في كازاخستان على تنمية الكفاءات البشرية. بل يتوازى مع استثمارات متسارعة في البنية التحتية الرقمية التي تشكل الأساس لأي اقتصاد قائم على المعرفة.
فخلال الأشهر الأخيرة. دشنت البلاد أول حواسيب فائقة متخصصة في الذكاء الاصطناعي على مستوى آسيا الوسطى. كما وسعت خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية بالتعاون مع OneWeb وStarlink. وأبرمت اتفاقيات مع مشروع Project Kuiper التابع لشركة أمازون. إلى جانب افتتاح المركز الدولي للذكاء الاصطناعي.
وعلى الصعيد الدولي. عززت كازاخستان حضورها في جهود الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي بانضمامها كعضو مؤسس في المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي (WAICO). فضلاً عن إبرام شراكات استراتيجية مع شركتي NVIDIA وFirebird الأمريكية لتطوير بنية تحتية متقدمة للحوسبة عالية الأداء.
وتعكس هذه المبادرات توجهًا حكوميًا لبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي. تقوم على التكامل بين التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية الرقمية والشراكات الدولية. بدلاً من الاكتفاء بتنفيذ مشاريع منفردة.
من الرقمنة إلى اقتصاد الابتكار
ورغم ما تحقق من خطوات متقدمة. يبقى التحدي الأبرز هو تحويل هذه الاستثمارات إلى ابتكارات مستدامة تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني ورفع تنافسيته.
وفي هذا الإطار. يرى سفير الهند لدى كازاخستان واي. كيه. سايلاس ثانغال أن الذكاء الاصطناعي ينبغي النظر إليه باعتباره أداة قادرة على إحداث تحول نوعي في قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والتعليم والإدارة الحكومية والزراعة والتنمية الحضرية. وليس مجرد قطاع تقني مستقل.
ويتوافق هذا الطرح مع رؤية كازاخستان. التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه محركًا للتنمية الاقتصادية الشاملة. غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن تحقيق الريادة في هذا المجال يتطلب أكثر من تطوير البنية التحتية الرقمية أو تحديث المناهج التعليمية.
فبناء منظومة ناجحة للذكاء الاصطناعي يعتمد كذلك على وجود جامعات بحثية رائدة. وتمويل مستدام للابتكار. وبيئة داعمة للشركات الناشئة. وآليات فعالة لتحويل الأبحاث إلى منتجات تجارية. إضافة إلى القدرة على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.
ومن هذا المنطلق. تمثل استضافة كازاخستان للأولمبياد الدولي للذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز حضورها على الساحة التكنولوجية العالمية. إلا أن النجاح الحقيقي سيقاس بمدى قدرتها على استثمار هذا الزخم في بناء منظومة وطنية مستدامة للابتكار. قادرة على إعداد جيل جديد من الباحثين والمطورين ورواد الأعمال. وترسيخ مكانة البلاد كأحد المراكز الصاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي.
اكتشاف المزيد من DubaiGlobalNews
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










